فخر الدين الرازي
199
شرح عيون الحكمة
الأوليات والمشهورات بطريق ، وبين الأوليات والموهميات بطريق آخر . أما الفرق بين الأوليات والمشهورات . فقال : انا نفرض أنفسنا كأنا خلقنا الآن ، وما خالطنا أحدا ، وما شاهدنا شيئا ، وقدرنا زوال موجبات الألف والعادة عن أنفسنا ، ثم انا نعرض في هذه الحالة على عقلنا : أن الواحد نصف الاثنين ونعرض « 2 » أيضا على عقلنا في هذه الحالة : أن الكذب قبيح . فانا نجد عقلنا في هذه الحالة جازما بالأول ، ومتوقفا في الثاني . فعلمنا : أن الجزم بأن الكذب قبيح ، ليس إلا لأجل الألف والعادة . قال : وأما الفرق بين الأوليات وبين الوهميات . فهو مثل قولنا : كل موجود فهو في جهة . فههنا « 3 » الوهم قد يساعد على التصديق بما ينتج نقيض حكمه ، والعقل ليس كذلك ، فعلمنا : أن الوهم كاذب . ومثاله « 4 » أن نقول : كل ما حصل في حيز وجهة فلا بد وأن يتميز يمينه عن يساره ، وفوقه عن تحته ، وكل ما كان كذلك فهو مركب ، وكل مركب ممكن ، وكل ممكن فليس بواجب . فالوهم يساعد على هذه المقدمات . ولا شك أنها تنتج : أن كل ما كان مختصا بالجهة ، فهو ليس بواجب الوجود لذاته . فإذا حكم بعد ذلك بأن واجب الوجود لذاته ، يجب أن يكون مختصا بالجهة ، فههنا الوهم حكم بحكم وحكم أيضا بما يوجب نقيض ذلك الحكم . فعلمنا : أنه كاذب . وأما حكم العقل فإنه لا يكون كذلك . فلا جرم . علمنا : أن حكمه صادق . هذا غاية كلام « الشيخ » في تقرير هذين الفرقين . وعندي : أن ذلك ضعيف جدا . أما الفرق الأول : فبيان ضعفه : أن نقول : هل تدعى أن القضايا قد تبلغ بسبب الألف والعادة في القوة والشدة إلى حد قوة الأوليات أو لا تدعى ذلك ؟ فإن لم تقل بذلك لم يكن بلا حاجة إلى تقرير هذا الفرق البتة ، وان ادعيت ذلك فنقول : ان هذا الفرق لا يزيل هذا الاشتباه . وبيانه من وجوه :
--> ( 2 ) وعرضنا : ص . ( 3 ) فهو أن : ص . ( 4 ) مثاله : ص .